جدول المحتويات
- مُقدِّمَةٌ لابُدَّ مِنْهَا عَنْ بَدْءِ رِحْلَةِ الذَّاتِ
- أَهَمِّيَّةُ الْمُرَبِّي فِي تَشْكِيلِ الاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ
- الْمُعْتَقَدَاتُ: زُجَاجَةُ رُؤْيَتِنَا لِلْعَالَمِ
- هَدْمُ الْمُعْتَقَدَاتِ الْقَدِيمَةِ وَبِنَاءُ الْجَدِيدِ
- الصَّبْرُ: كَضَرُورَةٍ وَنِبْرَاسٍ لَنَا فِي الرِّحْلَةِ
- كَيْفَ نَصْبِرُ؟
مُقدِّمَةٌ لابُدَّ مِنْهَا عَنْ بَدْءِ رِحْلَةِ الذَّاتِ
عِنْدَمَا نُولَدُ، نَكُونُ كَائِنَاتٍ هَشَّةً تَبْحَثُ عَنِ الاسْتِقْرَارِ فِي عَالَمٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ. نَسْتَلْهِمُ هَذَا الاسْتِقْرَارَ مِنْ بِيئَتِنَا الأُولَى، مِنْ أَبَوَيْنَا، اللَّذَيْنِ يُشَكِّلَانِ لَنَا إِطَارًا لِفَهْمِ الذَّاتِ وَالعَالَمِ. مِنْ هُنَا تَبْدَأُ رِحْلَةُ تَكْوِينِ مُعْتَقَدَاتِنَا، تِلْكَ الَّتِي تَرْسُمُ لَنَا مَلَامِحَ حَيَاتِنَا وَرُدُودَ أَفْعَالِنَا. وَلِهَذَا، تَخْتَلِفُ رُدُودُ فِعْلِ النَّاسِ تَجَاهَ الْمَوَاقِفِ نَفْسِهَا، لِأَنَّ جُذُورَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، وَبِيئَاتُ نَشْأَتِهِمْ لَمْ تَكُنْ مُتَشَابِهَةً.
أَهَمِّيَّةُ الْمُرَبِّي فِي تَشْكِيلِ الاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ
إِنَّ الطِّفْلَ الَّذِي يَنْشَأُ فِي حِضْنِ مُرَبٍّ نَاجِحٍ، مُهْتَمٍّ، مُلَاحِظٍ، وَمُسْتَجِيبٍ، يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَسْتَقِرَّ دَاخِلِيًّا، كَيْفَ يُنَظِّمُ ذَاتَهُ، وَكَيْفَ يُوَاجِهُ الْحَيَاةَ بِثِقَةٍ. أَمَّا إِذَا عَانَى مِنْ غِيَابِ هَذَا الِاهْتِمَامِ أَوِ الاسْتِجَابَةِ الْمُلَائِمَةِ، فَقَدْ يَنْشَأُ لَدَيْهِ شُعُورٌ بِالْخَطَرِ الدَّائِمِ، وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ التَّحَدِّيَاتِ. هُنَا يَبْدَأُ الْبَحْثُ عَنِ مَلَاذَاتٍ خَارِجِيَّةٍ، قَدْ تَقُودُهُ إِلَى الإِدْمَانِ أَوْ اضْطِرَابَاتٍ نَفْسِيَّةٍ، كَطَرِيقَةٍ غَيْرِ وَاعِيَةٍ لِتَنْظِيمِ ذَاتِهِ.
لَكِنْ، لَا يَعْنِي هَذَا أَنَّ كُلَّ إِخْفَاقٍ تَرْبَوِيٍّ يُولِدُ شَخْصًا مُضْطَرِبًا، بَلْ تِكْرَارُ هَذِهِ التَّجَارِبِ هُوَ مَا يَتْرُكُ أَثَرًا عَمِيقًا. وَفِي عَالَمِنَا الْعَرَبِيِّ، حَيْثُ يَكْثُرُ هَذَا النَّمَطُ، تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ إِعَادَةِ تَصْمِيمِ الذَّاتِ كَمَسَارٍ ضَرُورِيٍّ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ الدَّوَّامَةِ.

الْمُعْتَقَدَاتُ: زُجَاجَةُ رُؤْيَتِنَا لِلْعَالَمِ
تَخَيَّلْ مَعِي أَنَّ مُعْتَقَدَاتِكَ هِيَ كَالزُّجَاجَةِ الَّتِي تَرَى مِنْ خِلَالِهَا نَفْسَكَ وَالْعَالَمَ، بَلْ وَحَتَّى عِلَاقَتَكَ بِخَالِقِكَ. هَذِهِ الْمُعْتَقَدَاتُ، سَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مُشَوَّهَةً، تَتَحَكَّمُ فِي أَفْعَالِكَ وَنَتَائِجِ حَيَاتِكَ. وَهُنَا يَكْمُنُ التَّحَدِّي: كَيْفَ نَكْسِرُ هَذِهِ الْقَوَالِبَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي قَدْ لَا تَخْدِمُنَا بَعْدَ الآنَ؟
هَدْمُ الْمُعْتَقَدَاتِ الْقَدِيمَةِ وَبِنَاءُ الْجَدِيدِ
لَيْسَ الْأَمْرُ سَهْلًا، وَلَا مُسْتَحِيلًا. كُلُّ تَجْرِبَةٍ جَدِيدَةٍ تَنْسِجُهَا مِنْ مُعْتَقَدٍ مُخْتَلِفٍ هِيَ بِمَثَابَةِ مِطْرَقَةٍ تَهْدِمُ الْقَدِيمَ، وَتَبْنِي الْجَدِيدَ. وَالأَهَمُّ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْمُعْتَقَدَاتِ لَيْسَتْ سَيِّئَةً بِطَبِيعَتِهَا، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَخْتَبِرَهَا وَنَتَأَمَّلَهَا لِنُقَرِّرَ مَا إِذَا كُنَّا سَنَحْتَفِظُ بِهَا أَوْ نُحَرِّرُ أَنْفُسَنَا مِنْهَا.
وَمِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى التَّغْيِيرِ الْحَقِيقِيِّ هُوَ قُدْرَتُكَ عَلَى تَرْجَمَةِ مُعْتَقَدَاتِكَ الْجَدِيدَةِ إِلَى أَفْعَالٍ مَلْمُوسَةٍ. وَالْمُبَادَرَةُ هُنَا هِيَ الْمِفْتَاحُ: أَنْ تَفْعَلَ مَا يَجِبُ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْكَ، أَنْ تَكُونَ سَبَّاقًا فِي بِنَاءِ ذَاتِكَ.
الصَّبْرُ: كَضَرُورَةٍ وَنِبْرَاسٍ لَنَا فِي الرِّحْلَةِ
قَالَ رَسُولُنَا الْكَرِيمُ: «الصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالضِّيَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَرْحَلَتَيْنِ: إِحْرَاقٍ ثُمَّ إِشْرَاقٍ. الَّذِي لَا يَصْبِرُ عَلَى الإِحْرَاقِ لَا يَصْبِرُ عَلَى الإِشْرَاقِ».
وَهُنَا يَكْمُنُ سِرُّ إِعَادَةِ تَشْغِيلِ الذَّاتِ: الصَّبْرُ عَلَى مَرَاحِلِهَا الْمُخْتَلِفَةِ، الصَّبْرُ عَلَى الْأَلَمِ وَالنُّمُوِّ، الصَّبْرُ عَلَى التَّحَوُّلِ.
كَالفَرَاشَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى وَقْتِهَا الْكَامِلِ لِتَقْوِيَةِ جَنَاحَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَطِيرَ، كَذَلِكَ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى الصَّبْرِ لِنَنْمُوَ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ. نَعَمْ، الصَّبْرُ مَرٌّ، ثَقِيلٌ أَحْيَانًا، لَكِنَّهُ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ نَحْوَ النُّضْجِ الْحَقِيقِيِّ.
لَا أَدْعُوكَ لِتَعْوِيدِ نَفْسِكَ عَلَى مَرَارَةِ الصَّبْرِ، بَلْ لِأَجْلِ احْتِمَالِهَا، لِأَنَّهَا جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ رِحْلَتِكَ نَحْوَ ذَاتِكَ الْجَدِيدَةِ. تَحَمَّلْ هَذِهِ الْمَشَقَّةَ، وَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ النُّورَ فِي نِهَايَةِ النَّفَقِ يَسْتَحِقُّ كُلَّ لَحْظَةِ انْتِظَارٍ.
كَيْفَ نَصْبِرُ؟
فَكَيْفَ نَصْبِرُ إِذًا؟
لَيْسَ بِالْكَبْتِ أَوِ الْقَمْعِ، بَلْ بِالتَّدْرِيبِ الْعَمَلِيِّ، بِخُطُوَاتٍ بَسِيطَةٍ وَوَاقِعِيَّةٍ تُسَاعِدُكَ عَلَى تَقْوِيَةِ إِرَادَتِكَ، وَتَعْزِيزِ صَبْرِكَ، لِتَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِاسْتِقْبَالِ إِشْرَاقِ ذَاتِكَ الْجَدِيدَةِ.
لكني مهلًا لن أجيب على هذا السؤال اليوم، فمازلنا فالبداية هناك ما هو أهم وعلينا تغطيته، فهيا بنا!

أَنْ تَفْعَلَ مَا يَجِبُ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْكَ، أَنْ تَكُونَ سَبَّاقًا فِي بِنَاءِ ذَاتِكَ.
مقال رائع دكتورة يارا الله يعطيكِ العافية
ذات الإنسات تتقلب بين ثلاث حالات:
الذات الواقعية والذات المثالية والذات الواجبة.
إذا كانت الذات الواقعية متوافقة مع الذات الواجبة وفي صراع مع الذات المثالية
فكيف نهدم الصراع بين الذات المثالية والذات الواقعية؟
هل الحل في التخلي عن الأحلام والطموحات لأنها غير متوافقة مع واقعنا؟
هل الأحلام والطموحات من خدع النفس والأصل أن نمضي فيما يسره الله لنا؟
بارك الله فيكم على هذا التساؤل العميق والواعي.
الحقيقة أن الصراع بين (الواقعية) و(المثالية) لا يُحل بالهدم أو بالتخلي، بل بـ ‘تجسير الفجوة’ عبر (الذات الواجبة). الأحلام والطموحات ليست خدعة نفسية، بل هي ‘همّة’ أودعها الله فينا لنستمر في السعي، لكنها تتحول إلى ‘سوط’ للجلد إذا انفصلت عن العمل أو جعلتنا نحتقر واقعنا.
علينا أن نسعى خلف الطموح، في تحويله إلى ‘أهداف إجرائية’ تتناسب مع سعة وقتك وطاقتك (بذل الوسع). نحن نتعبد الله بالسعي في ‘المتاح’ للوصول إلى ‘المأمول’، مع اليقين بأن المثالية الحقيقية هي أن نكون اليوم أفضل من أمس ولو بخطوة واحدة، والرضا التام عما يسره الله لنا بعد بذل الجهد.
وأقرأ أيضًا: https://yarakhalouf.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%ac%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d9%8a-%d9%81%d9%86%d9%91-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%a7%d8%b2%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9%d9%8a-%d9%88/