في عَالَمٍ يَمُوجُ بالتَّحدِّيَاتِ والصِّرَاعَاتِ، تَبْرُزُ الحَاجَةُ إلى شَيْءٍ نَسْكُنُ إِلَيْهِ ضَرُورَةً مِلْحَةً وَمَرْسًى لِلْأَرْوَاحِ التَّائِهَةِ، شَيْءٍ نَعُودُ إِلَيْهِ وَنَسْتَمِدُّ مِنْهُ مَا يَأْتِيَهُ، نُلْقِي مَقَالِيدَنَا إِلَيْهِ، وَنُفَوِّضُ إِلَى رَأْيِهِ أَمْرَنَا.
جدول المحتويات
لمن نُصغي؟ بحثًا عن صوتٍ مُرشد
فَطَرَ اللَّهُ الإنسَانَ عَلَى هَذِهِ الحَاجَةِ، فَالطِّفْلُ حِينَ يُخْلَقُ يَعُودُ إِلَى وَالِدَيْهِ فِي مَشَاكِلِهِ، فَيَسِيرُ عَلَى نَهْجِهِمَا فِي بَدَايَةِ حَيَاتِهِ فَيَرْكَبُ مَرْكَبَهُمْ، وَيُنْتِجُ أَفْعَالَهُمْ، وَحِينَ يَكْبَرُ أَكْثَرَ يَبْحَثُ عَنْ مُعَلِّمٍ أَوْ مُرْشِدٍ يَسْتَشِيرُهُ فِي قَضَايَاهُ وَهكَذَا إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الرُّشْدَ وَيَقْتَرِبَ مِنَ النُّضْجِ، فَيَشْتَدُّ عُودُهُ وَيُصْبِحُ ذَوِي عَقْلٍ لَبِيبٍ وَحَصِيفٍ أَرِيبٍ.
لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يُطْرَحُ نَفْسَهُ: هَل يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَنْضُجَ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي يُجَعَلُهُ فِي غِنًى عَنْ الآخَرِينَ؟ هَل يُمْنِحُهُ ذَلِكَ النُّضْجُ سُلْطَةً مُطْلَقَةً، أَم أَنَّ تِلْكَ الحَاجَةَ الفِطْرِيَّةَ تَلَازَمُهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ؟

هل السلطة تُفسد دائمًا؟
فِي هَذَا السِّياقِ، تَتَبَادَرُ إِلَى ذَهْنِي قِصَّةُ رَاعِي الغُنْمِ فِي أُسْطُورَةِ جِيغِس، كَمَا يَرْوِيها أَفلاطُونُ فِي “الجُمْهُورِيَّة”. يُمَنَّحُ هَذَا الرَّاعِي خَاتَمًا يُتِيحُ لَهُ الاِخْتِفَاء، وَمَا الَّذِي يَفْعَلُ؟ يُسْتَعْمِلُ تِلْكَ السُّلْطَةَ لِقَتْلِ مَلِكِ القَرْيَةِ وَالِاسْتِيلاَءِ عَلَى الحُكْمِ، مُظْهِرًا كَيْف يُمكِنُ لِلْسُّلْطَةِ المُطْلَقَةِ أَنْ تُخْرِجَ أَوَّسَعَ مَا فِي النَّفْسِ البشَرِيَّة.

ستانفورد: عندما تُفسد السلطة النفوس
تَتَجَلَّى هذِهِ الفكرة أيضًا فِي تجرِبَة ستانفورد الشَّهيرة التي أُجريّت عَلَى يَد فيليب زيمباردو. فَقَد أَبْدَوُوا كَيْف يُمكِن للأفراد أَنْ يَتحَوَّلُوا إِلَى طغاةٍ أَو ضحايا بمجرد مَنْحهم أَدوارًا جديدة. لقد كانت الأَقْنعة الرمزية – كَالزِّيِّ الرّسْمِيِّ وَالسِّيَّاق الاجتماعي – كافيةً بِإظهار أسوأ ما فِي الشَّخصيات.
خدعة الأوهام: هل الأقنعة تخفي حقيقتنا؟
وَعِنْدَمَا نَتَمَعَّنُ فِي تَصَرُّفَاتِ النَّاسِ حِينَ يَكْتُبُونَ بِأَسماءٍ مُسْتَعَارَةٍ أَوْ عِنْدَمَا تُمنح لهم سُلطةٌ دُون رَقابَهٍ، نَجِدُ أَنَّ الأَقْنعة – سَوَآءً كَانَت لِإِخْفاءِ الهَوِيَّةِ أَو لِتَجَنُّبِ المُسَآءَلَة – لَا تُغَيِّرُ جَوْهَرَهُمْ بَل تَكْشِفُ مَا هُو مُتَأصِّلٌ فِيهم.
فَالْأقنَّعَةُ لَا تَصنَعُ الْوُجوه، بَل تَرْفَعُ السِّتار عَنْ مَا بَدَاخِلَهَا.

في متاهات الحياة: هل نحتاج لبوصلة أخلاقية؟
وَبِالْعَوْدَةِ إِلَى السُّؤَالِ الَّذِي بَدَأْنَا بِهِ، نَجِدُ أَنَّ النَّتِيجَةَ بَسِيطَةٌ: لَا يُمْكِنُ مَنْحُ الْإِنْسَانِ سُلْطَةً مُطْلَقَةً، فَطَبِيعَتُهُ الْإِنْسَانِيَّةُ تَلَازِمُهُ مَدَى الْحَيَاةِ. إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَتَطَلَّبُ مِنْهُ الثِّقَةَ فِي نَفْسِهِ، لَكِنَّ هَذِهِ الثِّقَةَ لَا تَعْنِي غِيَابَ الرَّقِيبِ أَوِ الْحَسِيبِ.
بين الاستقلال والاتكال: أين تكمن مرجعيتنا؟
إِذَا أَمْعَنَا النَّظَرَ فِي التَّارِيخِ، لَنَسْبِرَ أُصُولَ هَذِهِ الْفِكْرَةِ، نُلَاحِظُ أَنَّ كُلَّ الأَنْبِياءِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَهُمُ الْوَحْيُ كَانُوا يَتَفَكَّرُونَ وَيَبحثُونَ عَنْ هَذَا الشَّيْءِ الَّذِي يَعُودُونَ إِلَيْهِ فِي أُمُورِهِمْ.
أَمراً يثِق به فِي نَقض الأمور وإبرامها وتوثيقها وإحكامها، لَيْس عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِّمَّا يَعْتِيَه رَقِيبٌ وَلَا مُحافظٌ وَلَا حسيبٌ، لَا يُعَقِّب حُكْمَه وَلَا يَتجاوز رَمزه وَلَا يَتخطى تَوَقِيعه وَلَا يُخَالِف تَعريفه.
قَد يَقُول قائلٌ: “لٰكِن هُنَالِكَ النَّفْس الَّتي نثِق بِهَا وَنحتكم إِلَيْهَا فِي كُلِّ الأُمور”. وَهذَا قَوْلٌ قاصِرٌ، لأَنَّ الثِّقَة بالنَّفْس تَعني الاعتماد عَلَيْهَا، كَمَا رَأَيْنَا فِي تجرِبَة ستانفورد حَيْث اعتمد الطلاب عَلَى أَنْفُسهم وسَقَطُوا فِي فخّ الطُّغيان.

سكون القلب: الطمأنينة في رحاب الإيمان
نختلف نحن المسلمون في مَعنى الثِّقَة، إذ نؤمن أن الله قد مَنحنا القَدَرَات الَّتي تمكِّننا مِن تحقيق مَا نَسعى إِلَيْهِ، شَرط أن يكون ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ. وَنحن لَا نَقُول “وثقنا بأنفسنا”، لأَنَّ النَّفْس قَد تَكون أمارةً بالسُّوء، بَل نَقُول “وثقنا بِذواتنا”. إن ثقة الإنسان بنفسه لَا تتعارض مع ثقتهم بِرَبِّهِ، بَل هِي مُستمدّةٌ مِنّه ومَعتمدةٌ عَلَيْهِ.
لذا، يختلف مَعنى الطُّمأنِينَة في الإسلام عن مَعناها في المُجتمع الغربي، وَهذا ينعكس أيضًا عَلَى تعريفنا للإنسان. فَالطُّمأنِينَة في الإسلام تعني قُوّة القلب وسكونه، وَهِي حالة مِن الوصال الدائم بالخالق.
هي حالة من من اليقين والأتقاء، التسليم والتعهد، التبتل إلى الخالق، الاستكانة إليه والخضوع له وحده، هو بر مرتضى، ومطهر مصطفى.
وَلَوْ تَفَكَّرْنَا أَكْثَرَ قَلِيلًا بِالأَمْرِ وَعَكَسْنَا السُّؤَالَ: “مَاذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اللَّهُ؟”
تَخَيَّلْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نُقْطَةٌ مَرْجِعِيَّةٌ تَعُودُ إِلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ مُطْلَقٌ يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ. كَيْفَ كَانَتْ سَتَكُونُ حَيَاةُ الإِنْسَانِ؟
سَتَكُونُ حَيَاةً قَاسِيَةً، نَزَاوِلُ فِيهَا وَنُكَابِدُ، نَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ نَشْتَكِي إِلَيْهِ وَنَسْتَنِدُ عَلَيْهِ فَلَا نَجِدُ. يذكرني الأمر بالنبي إبراهيم عندما بدء رحلة الوعي، وجد الشمس فقال هذا ربي ثم غابت فرد وقال “لا أحب الغائبين” إلى أن أسلّم لله ربّ السماوات والأرض
قَدْ تُفْلِحُ تَقْنِيَاتُ الْعِلاَجِ بِالْمَعْنَى فِي تَخْفِيفِ حِدَّةِ أَلَمٍ شَخْصٍ يَصِلُ اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ أَثْنَاءَ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ، لَكِنَّ كُلَّ تَقْنِيَاتِ الدُّنْيَا تَفْشَلُ أمام عَزَاءِ فَاقِدٍ عَمَّا فَقَدَ.
كُلُّ تَقْنِيَاتِ الْعِلَاجِ النَّفْسِيِّ، بَدْءَا مِنَ الْعِلَاجِ الْجَدَلِيِّ السُّلُوكِيِّ وَالْعِلَاجِ بِالْمَعْنَى، تَنْتَهِي بِالْفَشَلِ أَمَامَ أُمِّ شَهِيدٍ أَوْ فَقِيدٍ فِي الْحَرْبِ. وَلَوْلَا الرِّضَا بِمَا سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ الْمُحْتَوَمُ، وَالْوَعْدُ الْمَسْؤُولُ، وَالنَّيْلُ بِمَا رُزِئْنَا أَجْرًا، وَعَلَى مَا حَيِينَا شُكْرًا، لَأَصْبَحَتِ الْحَيَاةُ عَبْئًا لَا يُحْتَمَلُ.
فالإيمان بأنَّ الْمَوْتَ هُوَ غَايَةُ الْأَحْيَاءِ وَنِهَايَةُ الْأَشْيَاءِ، وَهُنَاكَ دَارٌ نَصِلُ إِلَيْهَا فِي خِتَامِ الْعُمْرِ، حَيْثُ نَسْتَشْعِرُ الْأَقْسَاطَ وَنَبْتَعِدُ عَنْ الْإِشْرَاطَاتِ. فِي هَذِهِ الدَّارِ، نَجِدُ أَنَّ الْمَثَلَ الْحَقِيقِيَّ يُؤَثِّرُ فِي الْإِنْصَافِ وَيَنْزَعُ الْخِلَافَ، هو ما يجعلنا نَسْتَطِيعُ أَوَّلًا تَقَبُّلَ الْحَيَاةِ أَوِ الْعَيْشِ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ تَحَدِّيَاتٍ وَصُعُوبَاتٍ

