لا شكَّ أنَّ البناءَ الفكريَّ للإنسانِ، ونسيجَ معتقداتِهِ الراسخةِ، إنما يتشكَّلُ في مراحلِ الطفولةِ المُبكرةِ، ثم يتطورُ وينمو مع كلِّ عامٍ يمرُّ في مسيرةِ العمر. إنها عمليةٌ معقدةٌ تُسهمُ فيها البيئةُ، والتربيةُ، والتفاعلاتُ الأوليةُ مع العالمِ الخارجيِّ، لتصنعَ وعيَ الفردِ وإدراكَهُ.
ولعلَّ ما نلحظُهُ اليومَ من مظاهرِ التشويهِ والتحريفِ في المواقفِ الحياتيةِ اليوميةِ، وما يصاحبُها من ردودِ أفعالٍ قد تبدو غيرَ متناسبةٍ، إنما تعودُ في جوهرها إلى تأويلاتٍ خاطئةٍ وسوءِ فهمٍ للرموزِ والعلاماتِ الخارجيةِ، وللسلوكياتِ الصادرةِ عن الآخرين. هذه التأويلاتُ التي تنشأُ في مرحلةٍ مبكرةٍ، غالبًا ما تُسهمُ في بناءِ إشراطاتٍ وتوجيهاتٍ فكريةٍ مشوهةٍ، تتغلغلُ في عمقِ اللاوعيِّ، ليدفعَ الفردَ لاحقًا إلى إسقاطِها على مواقفَ جديدةٍ يواجهُها في حياتِه، مكررًا بذلك أنماطًا من التفكيرِ غيرِ السليمِ.
لنضربْ مثالاً حيًّا على ذلك: إذا ما لاحظنا على طفلٍ علاماتِ حزنٍ عميقٍ، أو عزلةٍ واضحةٍ، أو اضطرابٍ في السلوكِ والمزاجِ، ولم يجدْ من حولَهُ – من والدين أو مربين – من يُعينُه على شرحِ وتفسيرِ وتوجيهِ هذه المعاناةِ النفسيةِ، فإنهُ سيضطرُّ لا محالةَ للبحثِ عن تفسيرٍ ذاتيٍّ لحالتِهِ غيرِ المستقرةِ. وهنا تحديدًا تبدأُ الأفكارُ المشوهةُ بالتشكلِ لديه، إذ يُسارعُ إلى تقديمِ تبريراتٍ وتأويلاتٍ تفتقرُ إلى المنطقيةِ والعقلانيةِ لحالتِه الداخليةِ.

هذا التفسيرُ الذاتيُّ – والمغلوطُ غالبًا – سيُخزَّنُ في ذاكرتِه على هيئةِ “تعليماتٍ” جديدةٍ مرتبطةٍ بهذا الموقفِ. وفي المستقبلِ، عندما يواجهُ الموقفَ ذاتَهُ أو موقفًا مشابهًا له، سيستحضرُ تلقائيًّا تلك الأفكارَ المشوّهةَ المرتبطةَ بالحدثِ الذي وقعَ في طفولتهِ. إنهُ نمطٌ يتكررُ، يُعيدُ إنتاجَ نفسِ الاستجاباتِ السلوكيةِ والعاطفيةِ غيرِ المرغوبةِ.
في المحصلةِ، إن التفسيراتِ المشوهةَ للأحداثِ التي تُعيقُ الفردَ وتُسببُ له الاضطرابَ في مراحلِ حياتِه المتقدمةِ، غالبًا ما تنشأُ من تلكَ المواقفِ البسيطةِ التي ربما لم يُولها الأهلُ الأهميةَ الكافيةَ، أو لم يتعاملوا معها بالحكمةِ المطلوبةِ في حينها. إنهُ جرسُ إنذارٍ ينبهُنا إلى ضرورةِ اليقظةِ والوعيِ لدورِنا المحوريِّ في تشكيلِ وعيِ أطفالنا، وحمايةِ أذهانهم من بذورِ التشويهِ التي قد تنبتُ وتُزهرُ ألماً في المستقبلِ. فالمعالجةُ النفسيةُ، أياً كان مُقدمها، غنيةٌ بالخيرِ والنورِ لمن يبحثُ عن سلامةِ الفكرِ وصلاحِ الروحِ.
