هَلْ تَأَمَّلْتَ يَوْمًا أَغْصَانَ الزَّيْتُونِ، كَيْفَ تَنْحَنِي مُثْقَلَةً بِثِمَارِهَا، ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَسْتَعِيدَ قَامَتَهَا شَامِخَةً نَحْوَ السَّمَاءِ؟ كَذَلِكَ النَّفْسُ؛ مَتَى مَا تَزَيَّنَتْ بِالْحِكْمَةِ وَامْتَلَكَتْ زِمَامَ التَّوَازُنِ، أَدْرَكَتْ كَيْفَ تَنْحَنِي أَمَامَ عَوَاصِفِ الْحَيَاةِ دُونَ أَنْ تَنْقَطِعَ صِلَتُهَا بِخَالِقِهَا، مُحَافِظَةً عَلَى مُرُونَتِهَا وَقُدْرَتِهَا عَلَى النُّهُوضِ.
تُشَكِّلُ هَذِهِ الْاِسْتِعَارَةُ الْبَسِيطَةُ جَوْهَرَ أَحَدِ أَبْرَزِ مَبَادِئِ عِلْمِ النَّفْسِ الْإِسْلَامِيِّ: إِقَامَةَ التَّوَازُنِ بَيْنَ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ لِمُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ الْوُجُودِ. فَفِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ، يَشْهَدُ الْوَسَطُ الْأَكَادِيمِيُّ بُرُوزَ تَيَّارٍ فِكْرِيٍّ وَعِلَاجِيٍّ جَدِيدٍ يُعْرَفُ بِـ “عِلْمِ النَّفْسِ الْإِسْلَامِيِّ”، يُمَثِّلُ مُقَارَبَةً شَامِلَةً لِفَهْمِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، جَامِعَةً بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعُلُومِ النَّفْسِيَّةِ الْحَدِيثَةِ. يُرَكِّزُ هَذَا التَّخَصُّصُ عَلَى الْأَبْعَادِ الرُّوحِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ، وَيَرْبِطُهَا بِتَجْرِبَتِهِ الْحَيَاتِيَّةِ الْيَوْمِيَّةِ. وَبَيْنَمَا تُعَالِجُ مَدَارِسُ عِلْمِ النَّفْسِ التَّقْلِيدِيَّةُ الْأَعْرَاضَ النَّفْسِيَّةَ عَبْرَ تِقْنِيَّاتٍ عِلْمِيَّةٍ بَحْتَةٍ، يُضِيفُ عِلْمُ النَّفْسِ الْإِسْلَامِيُّ بُعْدًا رُوحَانِيًّا عَمِيقًا، يُعَزِّزُ صِلَةَ الْإِنْسَانِ بِخَالِقِهِ وَقِيَمِهِ الرُّوحِيَّةِ الْأَصِيلَةِ.

يَسْتَمِدُّ هَذَا الْعِلْمُ أُصُولَهُ وَمَبَادِئَهُ مِنْ مَصَادِرِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْخَالِدَةِ: الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ. فَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، نَجِدُ إِشَارَاتٍ بَيِّنَةً إِلَى طَبِيعَةِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7-8]. كَمَا قَدَّمَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْجِيهَاتٍ عَمَلِيَّةً لِلتَّعَامُلِ مَعَ الضُّغُوطِ وَالْاِنْفِعَالَاتِ، مِنْهَا اللُّجُوءُ إِلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالتَّعَلُّقُ بِالْأَذْكَارِ فِي أَوْقَاتِ الْقَلَقِ.
مِنْ تَعَالِيمِ عِلْمِ النَّفْسِ الْإِسْلَامِيِّ: الْيَقَظَةُ الذِّهْنِيَّةُ
الْيَقَظَةُ الذِّهْنِيَّةُ (Mindfulness) فِي عِلْمِ النَّفْسِ الْحَدِيثِ، هِيَ تِقْنِيَّةٌ تُرَكِّزُ عَلَى الْاِنْتِبَاهِ الْوَاعِي لِلْحَظَةِ الرَّاهِنَةِ دُونَ إِصْدَارِ أَحْكَامٍ. لَكِنَّ مَفْهُومَهَا فِي عِلْمِ النَّفْسِ الْإِسْلَامِيِّ يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ أَدَاةً لِلْهَدْئَةِ النَّفْسِيَّةِ، لِيُصْبِحَ سَبِيلًا لِتَحْقِيقِ الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ وَالْعَيْشِ بِوَعْيٍ رُوحِيٍّ وَأَخْلَاقِيٍّ عَمِيقٍ.
تَمَارِينُ الْيَقَظَةِ الذِّهْنِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ:
- الْوَعْيُ بِاللَّحْظَةِ الْحَالِيَّةِ مِنْ خِلَالِ الذِّكْرِ:
عِنْدَ تَرْدِيدِ الْأَذْكَارِ، كَقَوْلِ “سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ”، يُدْعَى الْمُسْلِمُ إِلَى اِسْتِحْضَارِ مَعَانِي التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ، مِمَّا يُعَمِّقُ صِلَتَهُ بِاللَّهِ وَيُطْمِئِنُ قَلْبَهُ. - الصَّلَاةُ: مَحَطَّةٌ يَوْمِيَّةٌ لِلتَّوَازُنِ وَالْيَقَظَةِ:
الصَّلَاةُ فِي الْإِسْلَامِ تَتَجَاوَزُ كَوْنَهَا مُجَرَّدَ عِبَادَةٍ شَكْلِيَّةٍ؛ إِنَّهَا مَحَطَّةٌ يَوْمِيَّةٌ لِلتَّأَمُّلِ الْعَمِيقِ وَالْيَقَظَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَلَعَلَّ فِي قَوْلِهِمْ “أَحْيِنَا بِهَا يَا بِلَالُ” مَا يُشِيرُ إِلَى دَوْرِهَا الْمِحْوَرِيِّ فِي إِحْيَاءِ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ. مِنْ خِلَالِ حَرَكَاتِهَا الْمُتَنَاسِقَةِ وَتِلَاوَتِهَا الْخَاشِعَةِ، يَجِدُ الْمُصَلِّي مُتَنَفَّسًا نَفْسِيًّا وَرُوحِيًّا يُعِيدُ إِلَيْهِ تَوَازُنَهُ الدَّاخِلِيَّ.

وَلِمَنْ يَتَسَاءَلُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هَذِهِ الْيَقَظَةِ وَيُجَنِّبَ نَفْسَهُ الشُّرُودَ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ؟
يَكْمُنُ الْجَوَابُ فِي اسْتِشْعَارِ الْمَعَانِي الْعَظِيمَةِ الْمُسْتَوْحَاةِ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الشَّرِيفِ، حَيْثُ يَقُولُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ: “قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ اللَّهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.”
لِذَا، فَإِنَّ اِسْتِحْضَارَ هَذَا الْحِوَارِ الْإِلَهِيِّ الْعَمِيقِ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ يُعِينُ الْمُصَلِّيَ عَلَى عَيْشِ الْيَقَظَةِ التَّامَّةِ وَيُزِيلُ عَنْهُ غِشَاوَةَ الْغَفْلَةِ.
- التَّأَمُّلُ فِي آيَاتِ الْكَوْنِ:
يَدْعُو الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي بَدِيعِ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْكَوْنِ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]. إِنَّ هَذَا التَّأَمُّلَ الْوَاعِيَ فِي عَظَمَةِ الطَّبِيعَةِ وَجَمَالِهَا يُسْهِمُ بِفَعَالِيَّةٍ فِي تَهْدِئَةِ النَّفْسِ وَإِحْلَالِ السَّكِينَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ فِي الْقَلْبِ. - تَنْظِيمُ الْعَاطِفَةِ مِنْ خِلَالِ الدُّعَاءِ:
يُعَدُّ الدُّعَاءُ مِنْ أَقْوَى آلِيَّاتِ الْيَقَظَةِ الذِّهْنِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ، إِذْ يُمَثِّلُ لَحْظَةَ اِسْتِسْلَامٍ تَامٍّ لِلْخَالِقِ وَطَلَبِ الْعَوْنِ مِنْهُ، مِمَّا يَغْمُرُ النَّفْسَ بِشُعُورٍ عَمِيقٍ بِالْأَمَانِ الدَّاخِلِيِّ. وَقَدْ أَكَّدَتِ الدِّرَاسَاتُ الْحَدِيثَةُ أَنَّ الْبَدْءَ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ لِلَّهِ فِي الدُّعَاءِ يُعَزِّزُ هَذَا الشُّعُورَ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالْهُدُوءِ الرُّوحِيِّ بِصُورَةٍ مَلْحُوظَةٍ.
فَهْمُ طَبِيعَةِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَاتِهَا:
فِي سِيَاقٍ مُتَّصِلٍ، يُمَثِّلُ اِسْتِيعَابُ طَبِيعَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْمُتَقَلِّبَةِ وَغَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ أَحَدَ أَهَمِّ أُسُسِ الطُّمَأْنِينَةِ النَّفْسِيَّةِ. فَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 19]، وَقَدْ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّهَا “مَنْزِلًا بَعْدَ مَنْزِلٍ، وَأَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ، وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ”. إِنَّ إِدْرَاكَ الْإِنْسَانِ بِأَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ قَرَارٍ أَوْ اِسْتِقْرَارٍ يُهَيِّئُهُ نَفْسِيًّا لِتَقَبُّلِ تَقَلُّبَاتِ الْأَحْوَالِ الْمُفَاجِئَةِ، فَلَا يُصِيبُهُ الْجَزَعُ الشَّدِيدُ أَوْ الصَّدْمَةُ الْعَمِيقَةُ عِنْدَ مُوَاجَهَةِ التَّغَيُّرَاتِ. قَدْ يَشْعُرُ بِالْحُزْنِ أَوِ الْقَلَقِ أَوِ الْخَوْفِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَشَاعِرَ لَا تَتَجَاوَزُ حُدُودَهَا إِلَى الذُّعْرِ أَوِ الْاِنْهِيَارِ، لِأَنَّهُ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ مُسْبَقًا عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ.
فَوَائِدُ عِلْمِ النَّفْسِ الْإِسْلَامِيِّ وَالتِّقْنِيَّاتِ الرُّوحِيَّةِ:
- يُعَزِّزُ الشُّعُورَ بِالسَّلَامِ الدَّاخِلِيِّ وَالِاطْمِئْنَانِ.
- يُطَوِّرُ الْقُدْرَةَ عَلَى مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ وَالصُّعُوبَاتِ بِمُرُونَةٍ.
- يُحَقِّقُ تَوَازُنًا مُتَنَاغِمًا بَيْنَ الْعَاطِفَةِ وَالْعَقْلِ، وَبَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ.
- يُسَاعِدُ الْفَرْدَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْقَلَقِ وَالِاكْتِئَابِ عَبْرَ تَقْوِيَةِ اِرْتِبَاطِهِ الْإِيمَانِيِّ.
- يَبْنِي مُرُونَةً نَفْسِيَّةً رَاسِخَةً قَادِرَةً عَلَى الصُّمُودِ أَمَامَ التَّحَدِّيَاتِ.
خَاتِمَةٌ:
فِي الْخِتَامِ، يَبْرُزُ عِلْمُ النَّفْسِ الْإِسْلَامِيُّ كَجِسْرٍ حَيَوِيٍّ يَرْبِطُ بَيْنَ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ الْحَدِيثِ وَكُنُوزِ الْحِكْمَةِ الرُّوحِيَّةِ الْأَصِيلَةِ. إِنَّهُ يُقَدِّمُ رُؤْيَةً شَامِلَةً تُعِيدُ تَعْرِيفَ الْإِنْسَانِ بِوَصْفِهِ كَائِنًا رُوحِيًّا مُتَّصِلًا بِهَدَفٍ أَسْمَى وَمَعْنًى أَعْمَقَ لِوُجُودِهِ. وَعَبْرَ تَطْبِيقِ تِقْنِيَّاتِ الْيَقَظَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالتَّأَمُّلِ فِي التَّعَالِيمِ الْإِسْلَامِيَّةِ السَّامِيَةِ، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُحَقِّقَ تَوَازُنًا فَرِيدًا يُعِيدُ لِلنَّفْسِ سَكِينَتَهَا وَطُمَأْنِينَتَهَا الْمَفْقُودَةَ.
