هل يخطر ببالنا أن الدورة الشهرية ليست مجرد ألَمٍ يجب التعايش معه، بل هي نظام ذكي للتصريف البيولوجي والتجديد الشهري؟
فالجسم الأنثوي، بفضل وجود الدورة الشهرية، يتمتع بآلية تنظيف طبيعية هي جزء من استدامة الصحة الإنجابية والعامة للمرأة. ومن المثير علميًا أن بعض الدراسات لفتت إلى ارتباط الدورة الشهرية بانخفاض معدلات الإصابة بأمراض معينة؛ كالجلطات وأمراض القلب قبل انقطاع الطمث، بسبب التغيرات الهرمونية الدورية التي تنظّم الدهون في الدم وتحسّن مرونة الأوعية.
بل الأدهى من ذلك، أن الطمث قد يكون سببًا في تخفيف تراكم الحديد في الجسم، ما يقي من بعض الأمراض المرتبطة بزيادة الحديد، ومنها اضطرابات تأكسدية ومناعية.

فلماذا لا يروى هذا الجانب من الحكاية؟
إليكي عزيزتي الأنثى مزايا كونك أنثى!
الدورة الشهرية: درع بيولوجي لا يُرى بالعين المجردة
بالرغم من الألم والتقلّب والإرهاق المرتبط بالدورة الشهرية – سواء الجسدي أو العاطفي – إلا أن لهذه الظاهرة البيولوجية المتكررة وظائف عديدة تتجاوز فكرة الخصوبة بكثير. إليكِ لمحة عن بعض الأمراض التي تشير الدراسات إلى أنها أقلّ انتشاراً بين النساء في سن الحيض مقارنة بالرجال أو النساء ما بعد انقطاع الدورة:
أمراض القلب والأوعية الدموية
أحد أبرز الحقول التي برز فيها هذا الدور الوقائي للدورة الشهرية هو طب القلب.
أظهرت دراسة نُشِرت في British Medical Journal عام 2016 أن النساء قبل سن اليأس أقل عرضة بكثير للإصابة بأمراض القلب مقارنة بالرجال في نفس الفئة العمرية.
ويرتبط ذلك بالدور الذي تلعبه هرمونات الإستروجين، التي تُنتج خلال الدورة الشهرية، في تحسين مستويات الكوليسترول الجيد (HDL)، وتقليل الكوليسترول الضار (LDL)، وتحسين مرونة الشرايين وخاصة الشريان التاجي.

تراكم الحديد والضرر التأكسدي
في دراسة نُشرت في مجلة Lancet، وُجد أن خسارة الحديد الشهرية عبر الدم الطمثي يمكن أن تكون وقائية ضد زيادة إجهاد الأكسدة في الجسم (Oxidative Stress)، وهي آلية معروفة تسهم في أمراض عدة مثل:
⦁ تصلب الشرايين
⦁ أمراض الكبد المزمنة
⦁ السرطان
⦁ داء السكري النوع الثاني
وهذا يجعل فقدان الدم – وإن بدا وكأنه ضعف – هو في الواقع وسيلة لتنظيم المعادن وتنقية الجسم بطريقة طبيعية.
أمراض عصبية مثل الزهايمر وباركنسون
هناك فرضيات علمية، لا زالت قيد الدراسة، تقترح أن المعدل المنخفض لبعض الأمراض العصبية لدى النساء قبل سنّ انقطاع الطمث قد يكون مرتبطًا بالدورة الشهرية وتنظيمها للهرمونات العصبية مثل الإستروجين والسيروتونين.
ففي حين أن مرض باركنسون يصيب الذكور بنسبة أعلى، يعتقد الباحثون أن هناك عوامل وقائية هرمونية عصبية تلعب دورًا في تأخير ظهوره لدى النساء.

مقاومة للالتهابات والمناعة
الدورة الشهرية أيضًا جزء من عملية تجديد الجهاز التناسلي وتنظيم المناعة.
في دراسة نُشرت في Journal of Reproductive Immunology، لوحظ أن الجهاز المناعي خلال الدورة يصبح أكثر نشاطًا في مواجهة مسببات الأمراض، حيث أن الجسم يتجهز في كل مرة لاحتمالات الحمل، ما يدفعه إلى تهيئة البيئة المناعية بالشكل الأمثل.
الخاتمة
كل هذه الدراسات وغيرها تُشير إلى حقيقة بسيطة:
أن ما تبدو عليه الدورة الشهرية من ألم وفوضى بيولوجية مؤقتة، هو في جوهره نظام وقائي بالغ التعقيد والدقة، يتكرر كل شهر ليضمن للمرأة ليس فقط خصوبتها، بل أيضًا صحّتها العامة.
ليس مطلوبًا تمجيد الألم، بل الاعتراف بالقيمة الحقيقية للمجهود البيولوجي الذي يقوم به جسد المرأة، وربما ببساطة: التوقّف عن لعن الطمث، والشروع في شكره، وفهمه، ومرافقته، بدل مقاومته بكراهية.
