هُناكَ سُؤالٌ قَدْ يَكونُ أَكْثَرَ إِزْعاجًا مِمَّا نَتَصَوَّر…
لَوْ أَعْطَيْتَ طِفْلَيْنِ نَفْسَ القَدْرِ مِنَ الذَّكاءِ، ثُمَّ وَضَعْتَ أَحَدَهُما في بِيئَةٍ تَمْلَؤُها الأَسْئِلَةُ، والكُتُبُ، والحِواراتُ، والتَّجاربُ…
وَوَضَعْتَ الآخَرَ في بِيئَةٍ تُكافِئُ الحِفْظَ أَكْثَرَ مِنَ الفَهْمِ، وتَخافُ مِنَ السُّؤالِ، وتُعاقِبُ الاخْتِلافَ…
هَلْ سَيَخْرُجانِ بِنَفْسِ العَقْل؟
هَلْ سَيَحْمِلانِ نَفْسَ القُدْرَةِ؟
أَمْ أَنَّ العَقْلَ، مِثْلَ العَضَلَةِ، إِذَا لَمْ تُدَرِّبْهُ ضَمُرَ؟
رُبَّما نَحْنُ نَقْضِي حَياتَنا نَبْحَثُ عَنْ إِجابَةِ سُؤالٍ خَاطِئ.
نَسْأَلُ:
هَلْ أَنا ذَكِيّ؟
بَدَلًا مِنْ أَنْ نَسْأَلَ:
كَمْ مِنْ ذَكائِي لَمْ أَسْتَخْدِمْهُ بَعْد؟

في عَصْرٍ لَمْ يَعُدِ العالَمُ يَكافِئُ فِيهِ الجُهْدَ وَحْدَهُ، بَلْ يُكافِئُ القُدْرَةَ عَلَى رُؤْيَةِ ما لا يَراهُ الآخَرون…
أَصْبَحَ الذَّكاءُ عُمْلَةً نادِرَة.
لَيْسَ الذَّكاءُ الَّذِي يَجْعَلُكَ تَحْفَظُ مَعْلُوماتٍ أَكْثَرَ.
فَالحاسوبُ يَحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْكَ.
ولَكِنَّهُ لا يَسْأَلُ: لِماذا؟
ولا يَبْحَثُ عَنْ: ماذا لَوْ؟
ولا يَنْظُرُ إِلَى الفَوضَى حَوْلَهُ ثُمَّ يَقُولُ:
“هُناكَ فُرْصَةٌ لِصُنْعِ شَيْءٍ جَدِيد.”
الذَّكاءُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ كَمِّيَّةَ المَعْلُوماتِ الَّتِي تَمْلِكُها…
بَلْ طَرِيقَةَ تَعامُلِكَ مَعَها.
هَلْ نُولَدُ أَذْكِياءَ أَمْ نُصْبِحُ كَذَلِكَ؟
لِسَنَواتٍ طَوِيلَةٍ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الذَّكاءَ هِبَةٌ مُغْلَقَة.
كَأَنَّ الطَّفْلَ يَخْرُجُ إِلَى الدُّنْيا وَمَعَهُ مَلَفٌّ سِرِّيٌّ كُتِبَ فِيهِ:
“هَذا سَيَكُونُ عَبْقَرِيًّا.”
“وهَذا لَنْ يَصِلَ بَعِيدًا.”
وكَأَنَّ حَياةَ الإِنْسانِ لَيْسَتْ إِلَّا تَنْفِيذًا لِقَرارٍ كُتِبَ قَبْلَ وِلادَتِهِ.
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا.
نَحْنُ نَرِثُ اسْتِعْدادًا…
ولا نَرِثُ نَتِيجَةً نِهائِيَّة.
الجِيناتُ لا تُعْطِيكَ شَخْصِيَّتَكَ العَقْلِيَّةَ كامِلَةً.
إنَّها تُعْطِيكَ مَجْمُوعَةً مِنَ الإمْكانات.
كَأَنَّكَ تَرِثُ أَرْضًا خَصْبَة.
ولَكِنْ…
هَلْ سَتَزْرَعُها؟
هَلْ سَتَسْقِيها؟
هَلْ سَتَتَرُكُها حتّى تَجِفَّ؟
هُنا تَبْدَأُ القِصَّةُ الحَقِيقِيَّة.
الذَّكاءُ وِراثَةٌ كَاسْتِعْداد… وَاكتِسابٌ كَطَرِيق
رُبَّما أَكْبَرُ وَهْمٍ عِشْناهُ أَنَّ الذَّكاءَ شَيْءٌ نَمْلِكُهُ أَوْ لا نَمْلِكُهُ.
كَأَنَّكَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ ذَكِيًّا…
أَوْ أَلَّا تَكُونَ.
لَكِنَّ العَقْلَ الإِنْسانِيَّ لا يَعْمَلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَة.
العَقْلُ يَتَغَيَّر.
يَتَشَكَّلُ.
يَتَأَثَّرُ.
كُلُّ كِتابٍ قَرَأْتَهُ، كُلُّ فِكْرَةٍ ناقَشْتَها، كُلُّ مَشْكِلَةٍ حاوَلْتَ حَلَّها…
تَرَكَتْ أَثَرًا فِي بِنْيَةِ عَقْلِكَ.
ولهذا فَإِنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يَقْرَأُ لِعَشْرِ سَنَواتٍ، وَيُمارِسُ التَّفْكِيرَ، وَيُدَرِّبُ عَقْلَهُ عَلَى التَّحْلِيلِ…
لَنْ يَبْقَى نَفْسَ الشَّخْصِ الَّذِي كانَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُصَابَ الإِنْسانُ بِـ«فَيْرُوسِ الغَباء»؟
رُبَّما لا تُوجَدُ عِبارَةٌ أَسْرَعُ إِثارةً لِلفُضُولِ مِنْ:
«فَيْرُوسٌ قَدْ يَؤَثِّرُ فِي العَقْلِ.»
وَلَكِنَّ العِلْمَ، كَعادَتِهِ، أَكْثَرُ هُدُوءًا مِنَ العَناوِينِ.
فِي عامِ 2014، لَفَتَتْ أَنْظارَ الباحِثِينَ قِصَّةُ فَيْرُوسٍ غَرِيبٍ يُسَمّى ATCV-1، وَهُوَ فَيْرُوسٌ مِنَ الـChloroviruses يَعْرِفُهُ العُلَماءُ أَساسًا بِإِصابَةِ الطَّحالِبِ الخَضْراءِ.
وَالمُفاجِئُ أَنَّ الباحِثِينَ وَجَدُوا تَسَلْسُلاتٍ مِنْ مادَّتِهِ الوِراثِيَّةِ فِي مَسْحاتٍ مِنْ حَلْقِ بَعْضِ البَشَرِ. فِي الدِّراسَةِ الأَصْلِيَّةِ، كَانَتْ هَذِهِ المادَّةُ قابِلَةً لِلرَّصْدِ فِي 40 مِنْ أَصْلِ 92 شَخْصًا، أَيْ نَحْوَ 44٪ مِنَ العَيِّنَةِ. وَالأَكْثَرُ إثارةً أَنَّ وُجُودَها ارْتَبَطَ بِانْخِفاضٍ مُتَواضِعٍ فِي الأَدَاءِ عَلَى بَعْضِ الاخْتِباراتِ، خُصُوصًا تِلْكَ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُعالَجَةِ البَصَرِيَّةِ وَالسُّرْعَةِ الحَرَكِيَّةِ البَصَرِيَّةِ.
وَهُنا وُلِدَ العُنْوانُ الَّذِي يَصْعُبُ مُقاوَمَتُهُ:
«فَيْرُوسُ الغَباء.»
لَكِنْ…
هَلْ كَانَ ذَلِكَ مَا أَثْبَتَهُ العِلْمُ؟
لا.
الدِّراسَةُ لَمْ تُثْبِتْ أَنَّ ATCV-1 يَجْعَلُ الإِنْسانَ غَبِيًّا، وَلَمْ تُثْبِتْ أَنَّهُ يُسَبِّبُ انْخِفاضًا فِي الذَّكاءِ، وَلَمْ تُثْبِتْ حَتّى الآنِ أَنَّ وُجُودَ مادَّتِهِ الوِراثِيَّةِ فِي الحَلْقِ يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ عَدْوَى جِهازِيَّةٍ تُصِيبُ الدِّماغَ.
بَلْ إِنَّ الباحِثِينَ أَنْفُسَهُمْ أَكَّدُوا أَنَّ المَسْأَلَةَ تَحْتاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الدِّراسَةِ لِفَهْمِ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِ هَذِهِ العَلاقَةِ، إِنْ كانَتْ عَلاقَةً سَبَبِيَّةً أَصْلًا.
وَلَكِنَّ القِصَّةَ لَمْ تَنْتَهِ هُنا.
فِي تَجارِبَ لاحِقَةٍ، وَجَدَ الباحِثُونَ أَنَّ التَّعَرُّضَ لِـATCV-1 فِي الفِئْرانِ ارْتَبَطَ بِتَغَيُّراتٍ فِي بَعْضِ أَنْماطِ السُّلُوكِ وَالذَّاكِرَةِ، وَبِتَغَيُّراتٍ فِي نَشَاطِ جِينَاتٍ عَدِيدَةٍ فِي الحُصَيْنِ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ مَناطِقِ الدِّماغِ المُرْتَبِطَةِ بِالتَّعَلُّمِ وَالذَّاكِرَةِ.
وَفِي تَجارِبَ أُخْرَى، أَظْهَرَ الفَيْرُوسُ قُدْرَةً عَلَى التَّفاعُلِ مَعَ خَلايا مَناعيَّةٍ مِنَ الثَّدْيِيّاتِ، وَتَحْفِيزِ اسْتِجاباتٍ الْتِهابيَّةٍ، مِنْها إِنْتاجُ جُزَيْئاتٍ مِثْلَ IL-6. وَهُنا بَدَأَ يَظْهَرُ احْتِمالٌ أَكْثَرُ إثارةً:
رُبَّما لا يَكونُ التَّأْثِيرُ المُحْتَمَلُ مُباشَرَةً فِي «الذَّكاءِ»…
بَلْ قَدْ يَكونُ جُزْءٌ مِنَ القِصَّةِ مُرْتَبِطًا بِكَيْفِيَّةِ تَفاعُلِ الجِهازِ المَناعِيِّ مَعَ الفَيْرُوسِ.
وَهَذِهِ النُّقْطَةُ مُهِمَّةٌ جِدًّا.
لِأَنَّها تَنْقُلُنا مِنْ سُؤالٍ سَطْحِيٍّ:
«هَلْ هُناكَ فَيْرُوسٌ يَجْعَلُكَ غَبِيًّا؟»
إِلَى سُؤالٍ أَعْمَقَ:
«إِلَى أَيِّ حَدٍّ يُمْكِنُ لِما يَحْدُثُ فِي جَسَدِكَ أَنْ يُغَيِّرَ طَرِيقَةَ عَمَلِ عَقْلِكَ؟»
وَهُنا تُصْبِحُ القِصَّةُ أَكْثَرَ إثارةً مِنْ مُجَرَّدِ «فَيْرُوسِ الغَباء».
فَنَحْنُ لا نَحْمِلُ عَقْلَنا فِي فَراغٍ.
الدِّماغُ لَيْسَ جُزَيْرَةً مُنْعَزِلَةً عَنْ بَقِيَّةِ الجَسَدِ.
إِنَّهُ يَتَأَثَّرُ بِالجِهازِ المَناعِيِّ، وَبِالنَّوْمِ، وَبِالتَّغْذِيَةِ، وَبِالضُّغُوطِ، وَبِالبِيئَةِ، وَبِالتَّغَيُّراتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الجَسَدِ كُلِّهِ.
وَالأَبْحاثُ الأَحْدَثُ حَوْلَ الـChloroviruses ما زالَتْ تَدْرُسُ كَيْفَ تَتَفاعَلُ هَذِهِ الفَيْرُوساتُ مَعَ الجِهازِ المَناعِيِّ البَشَرِيِّ؛ فَدِراسَةٌ نُشِرَتْ فِي 2024، مَثَلًا، وَجَدَتْ أَنَّ بَعْضَ مُكَوِّناتِ ATCV-1 يُمْكِنُ أَنْ تُحَفِّزَ اسْتِجاباتٍ مَناعِيَّةً فِي خَلايا مُعَيَّنَةٍ، وَأَنَّ أَجْسامًا مُضادَّةً لِبَعْضِ مُكَوِّناتِهِ وُجِدَتْ فِي عَيِّناتٍ بَشَرِيَّةٍ.
وَحَتّى فِي 2025، اسْتَمَرَّتِ الأَبْحاثُ فِي دِراسَةِ تَفاعُلِ ATCV-1 مَعَ الخَلايا المَناعيَّةِ وَدَوْرِهِ المُحْتَمَلِ فِي الاِلْتِهابِ؛ مِمّا يَعْنِي أَنَّ القِصَّةَ العِلْمِيَّةَ لَمْ تُغْلَقْ بَعْدُ.
إِذَنْ…
هَلْ هُناكَ «فَيْرُوسُ غَباءٍ»؟
لا نَمْلِكُ دَلِيلًا يَسْمَحُ لَنا بِقَوْلِ ذَلِكَ.
وَلَكِنْ هَلْ يُمْكِنُ لِفَيْرُوساتٍ وَمِيكْرُوبَاتٍ وَاسْتِجاباتٍ مَناعِيَّةٍ وَظُرُوفٍ جَسَدِيَّةٍ أَنْ تَتَفاعَلَ مَعَ العَقْلِ وَالسُّلُوكِ؟
هَذِهِ سُؤالٌ عِلْمِيٌّ حَقِيقِيٌّ، وَما زالَتِ الأَبْحاثُ تَكْشِفُ أَبْعادَهُ.

وَلَعَلَّ أَهَمَّ ما تَقُولُهُ لَنا هَذِهِ القِصَّةُ هُوَ أَنَّ العَقْلَ لَيْسَ شَيْئًا مُنْفَصِلًا عَنْ جَسَدِكَ.
فَما تَأْكُلُهُ.
وَكَيْفَ تَنامُ.
وَمَا تَتَعَرَّضُ لَهُ مِنْ ضُغُوطٍ.
وَمَا يَحْدُثُ فِي بِيئَتِكَ.
وَحَتّى الكَائِناتُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي تَسْكُنُ جَسَدَكَ…
قَدْ تَكُونُ جُزْءًا مِنَ القِصَّةِ الأَكْبَرِ.
لَيْسَ لِأَنَّها تُحَدِّدُ كَمْ أَنْتَ ذَكِيٌّ.
بَلْ لِأَنَّ العَقْلَ الإِنْسانِيَّ أَعْقَدُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ نَخْتَزِلَهُ فِي رَقْمٍ واحِدٍ، أَوْ جِينَاتٍ، أَوْ فَيْرُوسٍ واحِدٍ.
أَخْطَرُ فَيْرُوسٍ قَدْ يُصِيبُ العَقْلَ
رُبَّما لَيْسَ هُناكَ فَيْرُوسٌ يُسَمَّى الغَباء.
ولَكِنْ هُناكَ شَيْءٌ أَخْطَرُ.
فِكْرَةٌ صَغِيرَةٌ تَدْخُلُ إِلَى العَقْلِ:
“أَنا هَكَذا.”
“لا أَسْتَطِيعُ.”
“لَسْتُ ذَكِيًّا.”
هَذِهِ الفِكْرَةُ قَدْ تَكُونُ أَخْطَرَ مِنْ أَيِّ فَيْرُوس.
لِأَنَّها لا تُصِيبُ العَقْلَ…
بَلْ تُقْنِعُهُ أَنَّهُ لا يَحْتاجُ إِلَى النُّمُوِّ.

لَسْتَ مُجَرَّدَ جِينَاتٍ تَحْمِلُها.
ولَسْتَ مُجَرَّدَ ظُرُوفٍ حَدَثَتْ لَكَ.
أَنْتَ مَشْرُوعٌ مُسْتَمِرٌّ.
قُدْرَةٌ تَتَشَكَّلُ.
وعَقْلٌ يُعادُ بِناؤُهُ كُلَّ يَوْم.
لِذَلِكَ…
رُبَّما السُّؤالُ الأَهَمُّ لَيْسَ:
كَمْ مِنَ الذَّكاءِ وُلِدْتَ بِهِ؟
بَلْ:
كَمْ مِنَ الذَّكاءِ سَمَحْتَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَصْنَعَهُ؟
فَأَكْبَرُ خَسارَةٍ لَيْسَتْ أَنْ تَوْلَدَ بِقُدْرَةٍ أَقَلّ…
بَلْ أَنْ تَمْضِيَ حَياتَكَ كُلَّها…
وَأَنْتَ لَمْ تَكْتَشِفْ أَبَدًا…
كَمْ كانَ عَقْلُكَ قادِرًا عَلَى أَنْ يُصْبِحَ
