تخَيَّلْ نَفسَكَ طَبيبًا نَفسيًّا، تَستَمِعُ في عِيادتكَ لِشابٍّ يائِسٍ، غارِقٍ في بَحرِ الاكتِئابِ بَعدَ رَفضِ حُبِّهِ مِن طَرَفٍ واحِدٍ. يَقُصُّ عَلَيكَ قِصَّةَ عَذابِهِ مَعَ زَميلَتِهِ في الكُلِّيَّةِ، وَيَتَأَرْجَحُ بَينَ اليَأسِ وَالغَضَبِ. خِلالَ جَلساتٍ طَويلةٍ، تُحاوِلُ سَبرَ أَغوارِ نَفسِهِ المُضطَرِبَةِ، وَفَكَّ عُقدَةِ الأَلَمِ الَّتي تُعيقُ حَياتَهُ.
ثُمَّ تَأتي اللَّحظةُ الصّادِمَةُ: يَعتَرِفُ لَكَ بِرَغبَتِهِ في قَتلِ الفَتاةِ الَّتي رَفَضَتْهُ. يَنتَشِرُ الصَّمتُ في أَرجاءِ الغُرفَةِ، وَتَجِدُ نَفسَكَ في مُواجَهَةِ مُعضِلةٍ أَخلاقِيَّةٍ مُريعةٍ: واجِبُكَ كَطَبيبٍ يَحتِمُ عَلَيكَ الحِفاظَ عَلى سِرِّيَّةِ مَرضاكَ، ولَكِنْ ماذا عَنْ حَياةِ تِلكَ الفَتاةِ المُهَدَّدَةِ؟
قَضِيَّةُ تاراسوف: عِندَما يَصطَدِمُ واجِبُ السِّرِّيَّةِ بِضَرورةِ الحِمايةِ
قَضِيَّةُ تاراسوف تُجَسِّدُ هذا الصِّراعَ الأَخلاقِيَّ بِوُضوحٍ. في جامِعَةِ كاليفورنيا عامَ 1969، قُتِلَتِ الشّابَّةُ تاتيانا تاراسوف عَلى يَدِ زَميلِها بودار، بَعدَ أَنْ كَشَفَ هذا الأَخيرُ عَن نِيَّتِهِ الإجرامِيَّةِ لِطَبيبِهِ النَّفسيِّ. عَلى الرَّغمِ مِن إِبلاغِ الطَّبيبِ شُرطَةَ الحَرَمِ الجامِعِيِّ، إِلّا أَنَّ بودار أُطلِقَ سَراحُهُ بَعدَ تَعَهُّدِهِ بِالاِبتِعادِ عَن تاتيانا. لَكِنَّهُ نَكَثَ بِوَعدِهِ وَنَفَّذَ جَريمَتَهُ في أُكتوبرَ مِن نَفسِ العامِ.
رَفَعَت عائِلَةُ تاتيانا دَعوى قضائِيَّةً، مُطالِبَةً بِالاِعتِرافِ بِواجِبٍ قانونِيٍّ يَحمي الضَّحايا المُحتَمَلينَ. مِن هَذِهِ المُآساةِ، وُلِدَ “قانونُ تاراسوف”، الَّذي يُحَدِّدُ واجِبَ الطَّبيبِ في حالاتِ التَّهديدِ:
⦁ واجِبُ التَّحذيرِ (تاراسوف 1): يُلزِمُ الطَّبيبَ بِإِبلاغِ الشُّرطَةِ وَالشَّخصِ المُهَدَّدِ بِالخَطَرِ عِندَ عِلمِهِ بِنِيَّةِ المَريضِ بِإِيذاءِ أَحَدٍ ما.
⦁ واجِبُ الحِمايةِ (تاراسوف 2): يُشَدِّدُ عَلى ضَرورةِ اِتِّخاذِ جَميعِ الإجراءاتِ اللّازِمَةِ لِحِمايةِ الضَّحِيَّةِ المُحتَمَلَةِ، بِما في ذَلِكَ إِدخالُ المَريضِ إِلى المُستَشفى إذا لَزِمَ الأَمرُ.
مُلاحَظَةٌ: لا يَنطَبِقُ قانونُ تاراسوف عَلى تَخَيُّلاتِ المَريضِ بِشَأنِ القَتلِ، بَلْ عَلى النِّيَّةِ الحَقيقِيَّةِ لِلإِيذاءِ.
السِّرِّيَّةُ الطِّبِّيَّةُ في مُقابِلِ سَلامَةِ الآخَرينَ: مُعضِلةٌ أَخلاقِيَّةٌ مُستَمِرَّةٌ
قِصَّةُ تاتيانا تاراسوف تُثيرُ تَساؤُلاتٍ مُهِمَّةً حَولَ التَّوازُنِ بَينَ السِّرِّيَّةِ الطِّبِّيَّةِ وَسَلامَةِ الآخَرينَ. بَينَما تُعَدُّ السِّرِّيَّةُ رُكنًا أَساسِيًّا في العَلاقَةِ بَينَ الطَّبيبِ وَالمَريضِ، إِلّا أَنَّ حِمايةَ الأَرواحِ تُشَكِّلُ أَولَوِيَّةً قُصوى. كَيفَ يُمكِنُ لِلطَّبيبِ المُوازَنَةُ بَينَ هَذَينِ الواجِبَينِ المُتَعارِضَينِ؟ ما هُوَ القَرارُ الصّائِبُ في مِثلِ هَذِهِ المَواقِفِ الحَرِجَةِ؟

